محمد متولي الشعراوي
1101
تفسير الشعراوي
وقوله : « لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ » فيه تحد واضح . فحتى إذا اجتمع البشر مع بعضهم البعض فلن يحيطوا بشئ إلا بإذنه . وهذا تحد للكل ، حين يشاء سبحانه أن يوجد إظهار سر في الوجود ، فهذا السر يولد ، وقد يكون إظهار السر موافقا لبحث الناس مثل العالم الذي يجلس في معمله ليجرب في العناصر والتفاعلات ، ويهتدى لهذه وهذه ، إنه يتعب كثيرا كي يعرف بعضا من الأسرار ، ونحن لا ندري بتعبه وجهده إلا يوم أن يكتشف سره . لقد أخذ المقدمات التي وضعها اللّه في الكون حتى إذا تتبعناها نصل إلى سره ، مثلما نريد أن نصل إلى الولد فنتزوج حتى يأتي ، وقد يأذن اللّه مرارا كثيرة أن يولد السر بدون أن يشتغل الخلق بمقدماته ، لكن ميعاد ميلاد السر قد جاء ولم ينشغل العلماء بمقدماته ؛ فيخرجه اللّه لأي مخترع كنتيجة لخطأ في تجربة ما . وعندما نبحث في تاريخ معظم الاكتشافات نجدها كذلك ، لقد جاءت مصادفة ، فهناك عالم يبحث في مجال ما ، فتخرج له حقيقة أخرى كانت مخفية عنا جميعا . لقد جاء ميعاد ميلادها على غير بحث من الخلق ، فجاء اللّه بها في طريق آخر لغيرها ، وفي بعض الأحيان يوفق اللّه عالما يبحث المقدمات ويكشف له السر الذي يبحث عنه . إذن ، ف « لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ » تعنى أن الإنسان قد يصادف السر بالبحث ، ومرة يأتي سر آخر في مجال البحث عن غيره ، فاللّه لا يضن بكشف السر حتى لو لم يشتغلوا به ونسميها نحن - مصادفة - إنّ كل شئ يجرى في الكون إنما يجرى بمقدار ، وهذا هو الذي يفرق لنا بين معرفة غيب كان موجودا وله مقدمات في كون اللّه نستطيع أن نصل إليه بها ، وشئ مستور عند اللّه ليست له مقدمات ؛ إن شاء سبحانه أعطاه من عنده تفضلا ؛ من باب فضل الجود لا بذل المجهود وهو سبحانه يفيضه في « المصادفة » هنا ويفيضه فيما لا مقدمات له على بعض أصفيائه من خلقه ، ليعلم الناس جميعا أن للّه فيوضات على بعض عبيده الذين والاهم اللّه بمحبته وإشراقاته وتجليه . لكن هل هذا يعنى أن باستطاعتنا أن نعرف كل الغيب ؟ لا ، فالغيب قسمان :